تبلیغات
پایگاه قران

العقل طریق النجاة

عقل

بسم الله الرحمن الرحیم

إنّ فِی خلْقِ السمواتِ والأَرضِ واخِتلافِ اللَّیلِ والنهار لآیات لأولی الألبابِ {آل عمران / 190}

ان الآیة المباركة ضمن أجواء تحریك العقل وهی تتحدّث عن أمرین الأول هو خلق السماوات والأرض والثانی ظاهرة اللیل والنهار ثم تعقّب بعد ذلك على أن كلا هذین الأمرین هو آیة ای علامة ولكنّها لیست لكل أحد وانما لذوی الألباب أی أصحاب العقول الخالیة من شوائب الأوهام والخرافة والغفلة بمعنى ان الآیة علامة للجمیع ولكن الذی ینتفع بها ویتوقّف ویتأمّل فیها حتى ینتهی إلى الاعتقاد الصادق أو إلى شكر المولى هم أصحاب العقول. ونحن سنتحدث فی أجواء هذه الآیة ضمن إیحاءات متعددة

الإیحاء الأول: اهتمام الإسلام بالعقل

لم تعتن أیة مدرسة فكریة بالعقل كما اعتنى به الدین الإسلامی واعتمد علیه فی إثبات أهم مسائل الدین وهی التوحید والنبوة والمعاد والعدل والإمامة وجعلت منه محوراً تدور علیه الخطابات السماویة فی هذه الأمور وشجّعت على التمسك به .. فهی مدرسة تقدّس العقل وتحترمه لكن فی الحدود التی یتحرك فیها. بل جعلت منه قوام شخصّیة الإنسان المتدین (قوام المرء عقله) حیث ان الشخصیة تتقوم بهذا العامل النورانی لتعطیه القدرة على المعرفة ومحاربة الضلالة ولأن العقل یوصل إلى الحق وهو مراد الشارع الذی طلب من الإنسان أن یتأمّل فی آیاته ولا یعطّل العقل (إِنَّ فِی ذَلِكَ لَآیَاتٍ لِّأُوْلِی النُّهَى) أی العقل الذی له دور القیادة والإدارة والنهی فی الأمور الممنوعة والواضحة الحرمة ولربما أن فی الآیة إشارة إلى الوظیفة الثانیة للعقل وهو التحریك وسیأتی الكلام عنه فی الإیحاء الثانی. كما ان بعض الأحادیث تنفی أن یكون للإنسان دین إذا لم یكن له عقل (لا دین لمن لا عقل له) لأن العقل هو الطریق الأول لإثبات أصول الدین كما أن بعض الأحادیث أعطت مفهوماً جدیداً للغنى والفقر وأنّ المعیار فیهما لیس هو المال بل المعیار هو العقل (لا غنى كالعقل ولا فقر كالجهل) فالفقیر الحقیقی هو الجاهل.

العقل والإیمان بالغیب

قد یقول قائل أن الدعوات الدینیة دعوات غیبیة لا تحترم العقول وأنها ترفض مناقشة آرائها الدینیة لأنها آراء قدسیة من عالم الغیب إلى غیر ذلك من هذه الدعاوى؟ فنقول ان الشریعة اعتمدت فی منهجها على العقل السلیم وهذا واضح وان العقل لا یتنافى مع الإیمان بالغیب إذ یستدل علیه من خلال آثاره أو بعض المقدمات الموصلة إلیه، فالعالم الیوم كله یۆمن بالكهرباء ونتساءل هل رأى أحدٌ الكهرباء؟ الجواب : كلاّ لكنهم یقولون نعتقد بها من خلال آثارها إذن الكهرباء غیب عن الحس لكنها ظاهرة عند العقل ولیس كل ما غاب عن الحس یأخذ العقل منه موقفاً رافضاً وسلبیاً هذه دعوى مبنیة على أن المحسوسات فقط هی الموجودات وهذه قضیة واضحة البطلان. كما نقول لهم هل رأیتم الجاذبیة؟ كلا وألف كلا ولكنهم مجمعون على الاعتقاد بها ونسألهم ما هو منشأ الاعتقاد بهذه الظواهر الحسیة كالكهرباء والجاذبیة؟ والمنشأ واضح وهو التعرف علیها من خلال آثارها وعندما نأتی إلى عالم الغیب ونقول ان العقل دلنا على الاعتقاد بوجود الله وبقیة الأمور الغیبیة یتعجّبون فنسأل ما هو منشأ التعجّب؟ إذا كانت الآثار كافیة للاعتقاد بوجود المۆثر فكما كان الأثر كافیاً للاعتقاد بالكهرباء ألیس فی خلق السماوات والأرض وظاهرة اللیل والنهار أثراً كافیاً للاعتقاد بخالق هذه الأمور.

ان للعقل القدرة على معرفة الأشیاء المادیة والمعنویة وتطویر هذه المعرفة وهذا البعد من العقل یتم تفعیله من خلال التأمل والتفكیر المجرد ودراسة العلوم العقلیة كالفلسفة والمنطق فكمال هذا العقل بالتفكیر والنظر المجرّد عن العمل وبتعبیر آخر ان علم العقائد من آثار هذا البعد وهذا ما یسمى بالعقل النظری.

الإیحاء الثانی: العقل دعامة للدین

عزیزی القارئ ان العقل هو الدعامة الأولى للعقائد فی الإسلام ومعرفة الشریعة المقدّسة ترتكز على العقل حتى عبّر عنه فی بعض الروایات بأنه الرسول الباطنی كما ان الرسول هو العقل الخارجی لشدّة العلاقة بین العقل والشریعة ولنقف قلیلاً على سۆال مفاده. ما هو المراد من العقل؟ القوّة التی امتاز بها عن الحیوانات وارتفع بها على سائر الموجودات وتعطیه قابلیة التمییز والمعرفة وهی من المواهب الفطریة والنعم الجلیلة التی أودعها الله فینا كی یستغلّها الإنسان لصلاحه وسعادته فی جمیع أموره فی الدنیا والآخرة ویربأ بنفسه عن التخلی عنها والهبوط إلى مستوى الحیوان أو ما دونه، ان للعقل دورین اساسیین.

أدوار العقل

الأول: الكشف والمعرفة وهذه هی الوظیفة الأولى له حیث ان للعقل القدرة على معرفة الأشیاء المادیة والمعنویة وتطویر هذه المعرفة وهذا البعد من العقل یتم تفعیله من خلال التأمل والتفكیر المجرد ودراسة العلوم العقلیة كالفلسفة والمنطق فكمال هذا العقل بالتفكیر والنظر المجرّد عن العمل وبتعبیر آخر ان علم العقائد من آثار هذا البعد وهذا ما یسمى بالعقل النظری.

الثانی: الإدراك والتحریك : فی هذا المقام لا یكتفی العقل بالإدراك بل یبعث نحو العمل ویشوّق إلیه وهذا البعد یسمى بالعقل العملی ومحوره إدراك حسن الأشیاء وقبحها كإدراك ان العدل حسنٌ والظلم قبیحٌ وما یتفرّع علیهما وقد ورد (من كمل عقله حسن عمله) وان هذا البعد یتم تفعیله من خلال العمل الصالح والعبادة والدعاء لأنه لیس مجرد إدراك بل یبعث نحو العمل ویتكامل مع العمل وكل ما كثر العمل إزداد العقل توهّجاً وقد یسمى هذا الأثر بالقلب.

الإیحاء الثالث: ما هو الحاجة إلى الدلیل

ان صاحب كل دعوى لابد ان یأتی بدلیل على مدعاه وهذا من الأمور الواضحة فإن الأدلة إنما یحتاج إلیها للوصول إلى الحق فیرتفع عذر المكلف ولا یبقى له حجّة وهذا الأمر یتم بدلیل واحد فإذا وصل إلى الحقیقة بأی وجه فرض فقد أقیمت الحجّة علیه وتمّت المسۆولیة فی حقه فمثلاً نرى الیوم من یدّعی الإخبار بالمغیبات ویدعی أنه یتصل بالجن هذا لا یعد دلیلاً لذوی العقول الراجحة لأنه أمر خفی إذ لم نقل قام الدلیل على بطلان هذا الطریق وهذا محل إبتلاء كثیر من الناس إذ انهم طالما یسرعون إلى تصدیق أصحاب الدعاوى الجدیدة أما لطیب نفوسهم أو لأنهم متأثرون بالمیراث العرفی أو إلى غیر ذلك من الأسباب وهذا على خلاف مقتضى طبع العقل وإرشاد هذه الآیة.

الإیحاء الرابع : قبول الحق
عقل

ان العقل السلیم إذا عرض علیه الحق یقبله أیاً كانت الحقیقة سواء فی الأمور العقائدیة أو المذهبیة أو الإجتماعیة أما عدم قبول الحق فهی ظاهرة مرضیة یسمیها القرآن بالجحود (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَیْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ {النمل/14} والجحود من آثار العقل العملی كما قدمنا فی الإیحاء الثانی وهذا الجحود له مناشئ متعددة فقد یكون بسبب الهوى والألفة لفكرة وعقیدة معیّنة كما حصل فی زمن النبی (ص) عندما قابلوه فی میراث الآباء وكذلك ما یحصل فی الحوارات المذهبیة أو كما حصل فی قضیة الشورى وأن الأدلّة ظاهرة على حقانیة أمیر المۆمنین (ع) وأن الأئمة إثنا عشر إماماً أولهم أمیر المۆمنین وآخرهم المهدی المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشریف) فقد ورد فی صحیح البخاری ان الأئمة كلهم من قریش إثنا عشر أمیرا، وعندما نسألهم عن ذكر هۆلاء الأمراء یتوقّفون والمذهب الوحید الذی یستطیع الإجابة على هذا السۆال هو مذهب الشیعة الإمامیة، وفی الآیة إشارة إلى تلك القضیة وهی قبول الحق لأن أولی الألباب عندما تأمّلوا فی الكون وحقائقه وظهر لهم الحق آمنوا به وخضعوا إلیه.

الإیحاء الخامس: المناسبة بین الدلیل والمدعى

ان الآیة المباركة تجعل الأثر دلیل على المۆثر وهو قانون بدیهی وأقصد بالأثر خلق السماوات والأرض والمۆثر هو الخالق وكذلك تجعل من ظاهرة اللیل والنهار ولعل المقصود فیه الحركة ومنه یستدل على وجود المحرّك أو دقّة النظام ونستدل منه على دقّة المنظم فلابد إذن من وجود مناسبة بین مقدمات التفكیر والنتیجة التی ننتهی إلیها فنكران الخالق أو الرسالة أو الإمامة هذا خلاف العقل والوجدان فمثلاً عندما ادعى النبی (ص) منصب النبوة وهو غیب أتى بدلیل یناسب هذا المدعى أیضاً من عالم الغیب وهو المعجزة فهكذا إذا كانت الدعوى عقلیة فنلجأ إلى الطریق العقلی وقضیة الإعتقاد بوجود الله لیست من القضایا الحسیة حتى یستدل علیها من خلال التجربة بل هی من القضایا العقلیة التی یستدل فیها أما عن طریق آثاره أو عن طریق مقدمات عقلیة بحتة.

الإیحاء السادس: وضوح العقیدة

ان الآیة الكریمة فیها إشارة واضحة بأن حجج الله عز وجل إلى العباد تكون ظاهرة لا تحتاج فی الأعم الأغلب منها إلى مقدمات عقلیة معقّدة نعم قد تدخل هذه المقدمات فی باب زیادة الأدلّة حتى یحصل تأكید الإطمئنان وإلا فأن أصل حصول الإطمئنان متیسّر للجمیع وأنه لم یفرض دینه على عباده حتى أوصله إلیهم بأدلّة وافیة تنتهی بالآخرة إلى البدیهیات والوجدانیات التی من تبصّر أوصلته إلى الحقیقة، عندما سۆل إعرابی فی زمن النبی (ص) لماذا آمنت بمحمّد قال ما أمرنی بشیء ورأیت العقل ینهانی عنه ولا نهانی عن شیء ورأیت العقل یأمرنی فیه بمعنى ان الإسلام ینسجم مع الفطرة والعقل فإنه أمر بالصلاة وبر الوالدین ومساعدة الفقراء والتعاون على الخیر وصلة الرحم والصدق والأمانة إلى غیر ذلك ونهى عن الزنا وشرب الخمر والكذب والغیبة إلى غیر ذلك من الأمور التی هی واضحة لكل عاقل.

رفع شبهة

وهنا قد یسأل البعض عن سر الإختلاف بین الناس فی أدیانهم وأن هذا كیف یجتمع مع قوّة أدلّة الدین الحق فإذا كان بعض الناس تعمّد مخالفة الحق الواضح عناداً أو لمصالح مادیة فان اكثر الناس لیسوا كذلك بل یتبنى كل فریق دینه وعقیدته عن قناعة وبدافع منه وإصرار وقد یبلغ حد التضحیة بكل غالی ونفیس وما ذلك إلا للإعتقاد بأن هذا هو الحق ولذا قد یذهب البعض ان الحق غیر واضح وان صاحب كل دین وعقیدة معذور فیما یعتقد إلا من تعمّد مخالفة الحق مع وضوحه؟ وجوابنا ان كثرة الخلاف فی الحق لا تنافی وضوح الحق وهذا لا یعنی انه واضح للمخالف ای الذی اعتقد اعتقاداً باطلاً بل بمعنى وضوحه فی نفسه بحیث لو أراد الإنسان الفحص عنه بالطرق العقلائیة والنظر فی الأدلة البسیطة وتحكیم الوجدان لوصل إلیه وأما إنه لم یعرف الحق فهذا أما ناشئ من عدم إهتمامه بالفحص أو الوجود مانع عنده من الإستجابة للأدلة من مصالح مادیة أو تقلید أعمى أو غیر ذلك.

اللهم اجعلنا ممن أنرت بصائرهم بالحق وجعلتنا فی طریق رضوانك طریق محمد وآل محمد إنك حمید مجید والحمد لله رب العالمین.